الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

69

نفحات القرآن

فإنّا سوف نبيّنه قدر الإمكان بتعبيرات واضحة دون استعمال الاصطلاحات الفلسفية . ويجب الانتباه قبل كلّ شيء إلى أنّ مزايا برهان الصدّيقين تتمثّل في عدم التطرّق إلى الدور والتسلسل أو معرفة المؤثّر من خلال الأثر ، ومن المخلوق إلى الخالق ، ومن الممكن إلى الواجب في إثبات وجود اللَّه ، بل هو تحليل للوجود نفسه وحقيقة الوجود ، وبذلك نصل إليه من خلال ذاته ، وهذا هو المهمّ ( وان لوحظ وجود خلط في عبارات البعض بين هذا الاستدلال واستدلال الوجوب والإمكان وبرهان العلّة والمعلول - كما بيّناه في السابق - ووضعوا بعضها موضع البعض الآخر ) « 1 » . وقد ذكرت تعاريف مختلفة لبرهان الصدّيقين منها : ( تقدير صدر المتألّهين في الأسفار ، ثمّ المحقّق السبزواري في حاشية الأسفار ، ثمّ المرحوم العلّامة الطباطبائي في نهاية الحكمة وغيرهم في كتب أخرى ) ، والبيان الأوضح والأنسب دون الرجوع إلى استعمال برهان الوجوب والإمكان ، والعلّة والمعلول وبدون الاستناد إلى مسألة الدور والتسلسل أن يقال : إنّ حقيقة الوجود هي ( العينية ) في الخارج ، وبتعبير آخر هي ( الواقعية ) وعدم قبول العدم ، لأنّ كلّ شيء لا يتقبّل ضدّه ، وبما أنّ ( العدم ) ضدّ ( الوجود ) فحقيقة الوجود - إذن - ترفض العدم . ومن هنا نستنتج أنّ ( الوجود ) ذاتاً هو ( واجب الوجود ) أي أزلي أبدي ، وبتعبير أخر إنّ التدبّر في حقيقة ( الوجود ) يرشدنا إلى أنّ ( العدم ) لا ينفذ إليه أبداً ، وكلّ ما لا يطاله العدم فانّه واجب الوجود ( فتأمّل جيّداً ) . وأمّا صدر المتألّهين - وهو من السابقين إلى هذا الاستدلال - فيقول : « واعلم أنّ الطرق إلى اللَّه كثيرة لأنّه ذو فضائل وجهات كثيرة ، « ولكلٍّ وجهةٍ هو مولّيها » لكن بعضها أوثق وأشرف وأنور من بعض ، وأشدّ البراهين وأشرفها إليه هو الذي لا يكون في الوسط في البرهان غيره بالحقيقة ، فيكون الطريق إلى المقصود هو عين المقصود وهو سبيل

--> ( 1 ) راجع نهاية الحكمة ، ص 268 ، وشرح مختصر المنظومة ص 8 و 9 للشهيد المطهّري .